آراء

من يملك مفاتيح الاقتصاد في اليمن؟

نايف حمود العزي

|
قبل 6 ساعة و 56 دقيقة
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

 

قراءة تحليلية في تشكّل السلطة الفعلية خارج الدولة

مدخل: حين تتحول السيطرة الاقتصادية إلى نمط حكم

في الدول المستقرة، تُمارَس السلطة عبر مؤسسات قانونية واضحة، وتُدار الموارد ضمن أطر موازنية معلنة، أما في سياقات النزاع الممتد كما في اليمن، فإن السلطة لا تُختزل في الاعتراف السياسي أو السيطرة الإدارية، بل تُعاد صياغتها عبر التحكم في الموارد، وإدارة التدفقات المالية، وتنظيم الوصول إلى السوق.

في هذا السياق، لم يعد السؤال المركزي: من يحكم اليمن؟

بل: من يملك القدرة على التحكم في الشروط الاقتصادية اليومية التي تحدد إمكانات العيش والتجارة والتنقل والاستمرار؟

هذا التحول من السلطة الرسمية إلى السلطة الاقتصادية الفعلية يمثل إحدى السمات البنيوية لاقتصاد الحرب في اليمن، حيث لم يؤدِّ تراجع الدولة إلى فراغ سلطوي، بل إلى نشوء أنماط حكم بديلة، تستند إلى الجباية، والتحكم في الموارد، وإدارة الندرة بوصفها أداة للضبط.

 

أولًا: الاقتصاد كحقل للسلطة لا كنشاط محايد

لم يعد الاقتصاد في اليمن مجالًا تقنيًا لتنظيم الإنتاج والتبادل، بل أصبح ساحة مركزية لإعادة توزيع النفوذ، فالضرائب، والجمارك، والرسوم، وآليات الاستيراد، وسعر الصرف، لم تعد أدوات سياسات عامة، بل وسائل تمارس عبرها قوى الأمر الواقع سلطتها.

في هذا الإطار تتحول الجباية من وظيفة مالية تهدف إلى تمويل الإنفاق العام، إلى أداة لإعادة تشكيل العلاقة بين السلطة والمجتمع. فالدفع لم يعد مرتبطًا بالحصول على خدمة عامة، بل بات شرطًا لممارسة النشاط الاقتصادي ذاته، وهكذا تنتقل العلاقة من كونها التزامًا قانونيًا إلى كونها امتثالًا اقتصاديًا قسريًا تفرضه موازين القوة.

 

ثانيًا: تشكّل السلطة الاقتصادية في بيئة الانقسام

لا تُمارَس السلطة الاقتصادية في اليمن عبر مركز واحد، بل تتشكل ضمن بيئة انقسام حاد من خلال فاعلين يسيطرون على نقاط مفصلية في الدورة الاقتصادية، مثل المنافذ، والعملة، والوقود، والجبايات المحلية. ولا تتطلب هذه السيطرة إحكام القبضة على الجغرافيا بقدر ما تتطلب التحكم في نقاط الاختلال داخل الاقتصاد.

ويختلف نمط هذه السلطة بين مناطق السيطرة، ففي صنعاء، تتسم السلطة الاقتصادية بمركزية عالية تتيح تجميع الإيرادات وإدارتها ضمن بنية هرمية منضبطة، تعزز القدرة على فرض الامتثال. في المقابل تتخذ السلطة الاقتصادية في عدن والمناطق المحررة طابعًا متشظيًا، تتقاسمه مراكز قوى متعددة، ما يؤدي إلى تعدد قنوات التحصيل وغياب سياسة مالية موحدة.

في كلا الحالتين، لا يقوم اقتصاد الحرب على الانهيار، بل على استقرار مشوَّه يضمن تدفقًا ماليًا كافيًا لاستمرار السيطرة، ومن ثمَّ فإن اضطراب الأسواق أو تذبذب سعر الصرف لا يعكس بالضرورة ضعف السلطة، بل أحيانًا قدرتها على إدارة عدم الاستقرار بوصفه موردًا للنفوذ.

 

ثالثًا: الجباية بوصفها ممارسة حكم يومي

أحد أخطر تحولات اقتصاد الحرب في اليمن يتمثل في انتقال الجباية من أداة سيادية إلى ممارسة حكم يومي. فالتحصيل المالي لم يعد مرتبطًا بموازنة أو خطة إنفاق، بل بقدرة الجهة القائمة عليه على فرض الامتثال والحفاظ على السيطرة.

في هذا النمط، لا تهدف الجباية إلى تعظيم الإيرادات بقدر ما تهدف إلى تثبيت النفوذ. فالتعدد، وعدم الانتظام، والغموض في الرسوم ليست دائمًا نتيجة ضعف إداري، بل تعبير عن منطق حكم يقوم على إدارة عدم اليقين بوصفه أداة للضبط والسيطرة.

 

رابعًا: تفاوت أنماط السلطة الاقتصادية بين صنعاء وعدن

لا تتجلى السلطة الاقتصادية الفعلية في اليمن بصيغة واحدة، بل تتخذ أنماطًا مختلفة تعكس طبيعة السيطرة السياسية والعسكرية في كل منطقة. ففي مناطق سيطرة صنعاء، تتسم السلطة الاقتصادية بدرجة عالية من المركزية الجبائية، حيث تُدار الموارد، والرسوم، وآليات التحصيل ضمن بنية شبه هرمية، تسمح بإحكام السيطرة على التدفقات المالية وتحويلها إلى أداة حكم مستقرة نسبيًا، رغم محدودية الموارد.

في المقابل، تظهر السلطة الاقتصادية في مناطق سيطرة عدن والمناطق المحررة بصورة متشظية ومتعددة المراكز، حيث تتوزع أدوات الجباية والتحكم الاقتصادي بين فاعلين متداخلين، ما يؤدي إلى غياب مركز مالي واحد قادر على فرض قواعد موحدة. هذا النمط لا ينتج ضعفًا كليًا في السلطة، بل يخلق شكلًا مختلفًا من الحكم الاقتصادي، يقوم على التفاوض المستمر، وتوازنات القوة، وتعدد قنوات التحصيل.

هذا التباين لا يعكس فقط اختلاف البنية السياسية، بل يوضح كيف يُعاد إنتاج اقتصاد الحرب وفق السياق المحلي، وكيف تتحول السيطرة الاقتصادية -سواء كانت مركزية أو موزعة -إلى بديل عملي عن مؤسسات الدولة الغائبة.

 

خامسًا: مفارقة ترسيخ اقتصاد الحرب

تكمن المفارقة الأساسية في اقتصاد الحرب اليمني في أن كل تحسّن في كفاءة السيطرة الاقتصادية خارج إطار الدولة يؤدي عمليًا إلى تقليص فرص استعادة الدولة لاحقًا. فكلما ترسخت أنماط الجباية غير المؤسسية، وتكيّف المجتمع معها، ارتفعت كلفة الانتقال إلى نظام اقتصادي منضبط وأكثر شمولًا.

وهنا لا يكمن الخطر في استمرار الحرب فحسب، بل في تطبيع اقتصادها وتحوله إلى نمط إدارة مألوف، يصعب تفكيكه حتى بعد توقف القتال.

 

خاتمة:

في اليمن، لا تعمل السلطة الاقتصادية بوصفها انحرافًا مؤقتًا عن الدولة، بل كنمط حكم تشكّل وتكيّف داخل الحرب، وهي سلطة لا تُمارَس عبر النصوص، بل عبر التحكم في الإيرادات، والتدفقات، وشروط الوصول إلى السوق.

غير أن هذه المنظومة، رغم تماسكها الظاهري، ليست عصيّة على التفكيك. فكما تشكّلت عبر الاقتصاد، يمكن أن يبدأ تفكيكها من البوابة ذاتها: بوابة الإيرادات.

ومن هنا، لا يكتمل فهم من يملك مفاتيح الاقتصاد في اليمن دون الانتقال إلى السؤال التالي:

كيف يمكن إعادة انتزاع هذه المفاتيح، وإعادة توظيفها لبناء دولة لا تقوم على الجباية كسلطة، بل على الإيرادات كوظيفة عامة؟

وهو ما ستتناوله المقالة التالية.

23-1-2026

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية