منذ العام 2011 وحتى اليوم شهدت اليمن الكثير من الأحداث والمتغيرات التي لم تتوقف تبعات تناقضاتها عند حدود استبدال رئيسٍ بآخر أو تغيير حكومة بأخرى، بقدر ما أدخلت البلاد في نفقٍ مظلمٍ ليس له نهاية وانتقلت بالشعب اليمني من مرحلة الدولة والاستقرار والاستقلال السياسي والعمل المؤسسي وسيادة القانون إلى مرحلة اللادولة وصادرت حريته وإرادته وقراره وأخضعته للوصاية الدولية وعبثية الفصل السابع الذي تم تدشينه بعقد اجتماع لمجلس الأمن الدولي في صنعاء..
ثلاثة عشر عاما من الفوضى والانهيار السياسي والإقتصادي، بدأت بتقليد هتافٍ استغل المنادون به تسامح النظام وديمقراطية نهجه القائم على أساس حرية الرأي والتعبير، لتنفيذ أجندات ومخططات تدميرية اتجهت لشيطنة الدولة وتجريم قادتها وإشعال الصراعٍ بين الحاكم والمحكوم، وانتهت بإسقاط الدولة والنظام السياسي وتدمير المؤسسات والانقلاب على الدستور ومصادرة الإرادة الشعبية وإدخال اليمن في آتون صراعات مسلحة لم تلبث طويلاً حتى تحولت إلى حرب شملت كل الخارطة اليمنية وحولتها إلى ميدان صراع إقليمي ودولي تزداد سيناريوهاته اتساعا وسوداوية من يومٍ لآخر.
اليوم ورغم كل ما شهدته عواصم الدول الفاعلة من حراكٍ سياسيٍ وجولات مشاورات بدت على انها جاءت لتترجم توجهات حقيقية لإنهاء الحرب وإحلال السلام، وافضت إلى إعلان المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ توافق الأطراف على ما تم التوصل إليه في النقاشات التي دارت على مدى الأشهر الماضية، كاشفاً عن خارطة طريقٍ سيتم التوقيع عليها قريباً، إلا ان خارطة الطريق الأممية سرعان ما فقدت الطريق وأصبح موعد التوقيع الذي قال عنه قريباً أكثر بعداً، ما يشير إلى أن عمل المبعوث الأممي يسير وفق سيناريوهات قوى دولية ويترجم ويخدم أجنداتها السياسية ولا يترجم حاجة الشعب اليمني وتطلعاته للسلام.
ضبابية الموقف الأممي وتناقضات تصريحات غروندبرغ التي تراجع فيها من مرحلة الحديث عن التوافق والاقتراب من السلام إلى مرحلة الحديث عن التشاور وبناء الثقة، كشفت عن سيناريوهات جديدة لا تخدم عملية إحلال السلام في اليمن بقدر ما تزيد ملفاتها الشائكة تعقيداً، وهو ما تجلى من خلال تباطؤ المبعوث الأممي وتساهله في دفع أطراف الصراع لترجمة ما أفضت إليه المشاورات والتوقيع على ما قال انه تم التوافق عليه في تصريحاته التي تجاهلتها ميليشيا الحوثي ولم تعلق على ما ورد فيها، في إشارة إلى أنها غير معنية بما تضمنته التصريحات.
ثلاثة عشر عاماً من الفوضى والحرب التي يتم توجيهها لخدمة أجندات قوى إقليمية ودولية وتشرف الأمم المتحدة على إدارة سيناريوهاتها وإطالة أمدها دون التفات لكارثية انعكاساتها على الشعب اليمني الذي تم إيهامه بأن أول أيام العام الجديد سيشهد نهاية لمعاناته وأن الحرب ستضع أوزارها ويحل السلام، لكنه يفاجئ بمليشيا الحوثي تجره إلى حرب جديدة مع قوى دولية تستهدف انتزاع حقه السيادي في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ودفعه لمعايشة صراعات جديدة تشير فصولها إلى أن ما تقوم به مليشيا الحوثي يتم في اطار سيناريو متفق عليه مسبقاً، يستهدف عسكرة البحر الأحمر والسيطرة على أهم ممرات التجارة الدولية.