من أكثر الأشياء إثارة للسخرية الاهتمام الكبير الذي يوليه البعض لموضوع التغييرات التي تزعم مليشيا الحوثيين أنها تقوم أو ستقوم بها في قوام حكومتها الانقلابية، وأن هناك من ينتظر من تلك التغييرات أن تفعل شيئاً إيجابياً، أو أن تقدم للمواطنين القابعين تحت سلطتها ما يمكن أن يحدث فرقاً ولو بسيطاً لصالح الشعب، متناسين بشكل مثير أننا نتعامل مع مليشيا أو بالأصح مع عصابة انقلابية مارقة، لم تستطع طوال ما يقرب من عشر سنوات أن تتكيف مع الأنظمة والقوانين، مع أنها استحوذت على سلطة ذات مؤسسات قائمة وأنظمة جاهزة، كان بإمكانها أن تسيرها في نسقها المعهود، بما يخدم قيام السلطة وحاجات المواطنين أيضاً.. ولكن من أين لها هذا الفكر وهذا النهج الذي يتعارض من نهج العصابات والمليشيات الانقلابية..؟!
وبغض النظر عن موقف الشرعية والتحالف معاً وهو موقف سلبي ويواجه بالانتقاد الشعبي العام، يعلم الجميع وفي مقدمتهم الحوثيون أكثر من سواهم أنهم لا يمكن أن يكونوا سلطة نظامية ذات مؤسسات متخصصة تقدم خدماتها لليمنيين عامةً، وتؤكد الأحداث المتوالية طوال فترة انقلابهم أنهم لم ولن يستطيعوا التخلي عن فكر ونهج العصابة، حتى ولو نجح انقلابهم واستمر دهراً من الزمن، ذلك لأن نهج العصابة الذي ما يزالون يصرون على التمسك به، لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يتحول لنهج سلطة عامة، أو يتواءم مع شكل الدولة وخدمة العامة، بل يكاد يتقاطع معه في مجمل التفاصيل والحاجات والآليات..
وإذا كان هناك من نجاح للمليشيا فيما سبق وفي الفترة الراهنة أيضاً، ويحسب في كل الأحوال على الشرعية والتحالف، فهو التكيف مع الإلهاء وشغل العامة بموضوعات وقضايا ومتغيرات سرابية، سرعان ما تغدو مع التحفيز الإعلامي الملح من قبل الجماعة المنقلبة، هماً للعامة وعناوين رئيسية للنقاش والتداول فيما بينهم، وهذا أمر طبيعي أن يتلقف الشعب المنهك كل صغيرة وكبيرة، بل وكل قشة على متن الريح، على أنه يمكن البناء عليها لآمال شبه ميتة في أن يتغير الحال، الذي يسوء من يوم لآخر، أو على الأقل أن يتوقف عند حد معين من السوء، فلم يعد اليمنيون اليوم قادرين على تحمل أسوأ مما مروا به وما هم عليه من حال بائس لا يحسدون عليه..
أنا هنا أتحدث عن تفاعل البعض فقط من أبناء الشعب مع أكذوبة التغييرات وعقدهم آمالاً لا أدري من أين مأتاها، على تلك التغييرات وما يمكن أن تفعله.. أما معظم اليمنيين فلم يعد نهج المليشيا مغيباً عن معرفتهم وإدراكهم، فقد مكنتهم فترة التعايش مع هذه العصابة، من التيقن من أنها جماعة ذات مشروع استئثاري وعنصري ضيق، لا يمكن إيجاد تعايش مقبول بينه وبين عامة الشعب، وأن كل يوم يمر دون العمل على استئصالها الجذري من وجود اليمنيين، ينضاف إلى رصيد مخز ومؤسف من الخسارات والآلام في جسد اليمن المعتل بوجودهم، وفرصة لتفشي المزيد من أمراض العنصرية وآفات الطغيان وتضاعف وتطور سبل الانتقام القميء الذي تنتهجه العصابة في حق اليمنيين.