ظلت مياه البحر الأحمر لسنوات طوال شريان حياة اقتصادي لآلاف العائلات اليمنية. أما اليوم فقد تحولت تلك المياه ذاتها إلى حقل ألغام عائم. فالهجمات الحوثية لا تهدد فقط سلاسل الإمداد العالمية؛ بل تضرب صميم سبل العيش لأكثر المجتمعات اليمنية ضعفًا.
وخلال رحلة صيد روتينية قبالة ساحل الخوخة في غربي اليمن، لاحظ الصياد عبد الله جسمًا معدنيًا غريبًا ذو قرون بارزة يطفو على سطح الأمواج الزرقاء.
في البداية، ظن أنه حطام سقط من سفينة تجارية. لكن رفيقه في القارب صرخ فيه قائلاً إنه لغم بحري.
قال عبد الله، الذي طلب أن يُذكر باسمه الأول فقط: "قال لي زميلي إن الاقتراب منه يعني الموت. لقد زرع الحوثيون المئات منها. إذ لا يفرقون بين سفينة عسكرية وقارب صيد خشبي مهترئ."
حصاد الموت المنسي
ففي حين يتركز الاهتمام العالمي على الصواريخ الباليستية التي تستهدف السفن الضخمة، تقوم جمعيات الصيادين في محافظة الحديدة بتوثيق كارثة صامتة وهي مقتل مئات الصيادين وتدمير المئات من قواربهم.
تشير تقديرات منظمات حقوق الإنسان اليمنية إلى أن العدد الإجمالي للصيادين الذين قُتلوا أو أصيبوا تجاوز 450 منذ أن وسعت الميليشيات نشر الألغام البحرية، بالإضافة إلى تدمير مئات القوارب، التي تعتبر الرأسمال الوحيد لهذه العائلات.
ففي عام 2025 وحده، وثّقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات مقتل وإصابة 147 مدنيًا في الحديدة، أغلبهم من الصيادين.
وفي حادث مأساوي وقع في أكتوبر الماضي، قُتل ثلاثة صيادين من نفس العائلة عندما انفجر بهم لغم قبالة جزيرة كمران، مخلفين ورائهم عائلات بلا معيل.
انكماش الإنتاج والنزوح القسري
إذ لم تتسبب الألغام في قتل الناس فحسب؛ بل شلت النشاط الاقتصادي. لقد أجبر القصف المستمر وعسكرة البحر الصيادين على العمل بالقرب من الشاطئ في مناطق فقيرة بمخزون الأسماك.
ووفقًا لبيانات قطاع المصايد، انخفض الإنتاج بنسبة 50 في المئة في عام 2024، مما أدى إلى نزوح جماعي بين العمال في هذا القطاع الحيوي.
وقال صياد، رفض الكشف عن هويته، إن الصيادين واجهوا منذ عام 2014 وحتى منتصف العام الماضي خطرا مزدوجًا: فمن ناحية، يخافون من الألغام الحوثية؛ ومن ناحية أخرى، يخافون من السفن الحربية الدولية القريبة التي قد تسيء تفسير تحركاتهم في منطقة حرب نشطة. وقد أدى ذلك إلى تقليص مناطق الصيد بشكل كبير من باب المندب في الجنوب حتى حجة شمالا.
كارثة بيئية وضعف للأمن الغذائي
لقد تجاوزت تداعيات الهجمات حدود الانفجارات لتصل إلى ما يمكن وصفه بالإرهاب البيئي.
فقد أدى غرق سفن مثل "روبي مار"، "ماجيك سيز"، و"إيتيرنيتي سي"، بعضها كانت تحمل أسمدة ووقودًا، إلى تسرب مواد كيميائية سامة دمرت مساحات واسعة من المواطن البحرية. وفرّت أسماك من مخزون المناطق المتأثرة، وشعر الناس في اليمن بتدهور البيئة مباشرة في وجباتهم. وقد أدى انخفاض الصيد إلى تفاقم انعدم الأمن الغذائي بين عائلات الصيادين.
ففي بلد يعتمد على الاستيراد لتغطية 90 في المئة من احتياجاته من الحبوب، تؤكد وزارة التجارة اليمنية أن أعمال القرصنة الحوثية خلال العام الماضي قد أعاقت تدفق الواردات، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الغذاء إلى مستويات غير مسبوقة في بلد يعاني أصلا من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
كما جرى تعطيل طرق المساعدات الدولية، حيث سعت منظمات إنسانية جاهدة خلال العام الماضي لتأمين ممرات بحرية آمنة لتوصيل الغذاء والأدوية.