آراء

اعتذارٌ للتاريخ من قاع الهاوية: عن الدولة التي أضعناها!

القاضي عبدالوهاب قطران

|
قبل 3 ساعة و 52 دقيقة
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

أكتبُ هذه الكلمات من قلب العتمة، من قعر الهاوية التي هوينا إليها جميعاً، لا بصفتي نادماً عاطفياً يبكي على الأطلال، بل كشاهدِ عيان، يؤمن بجدلية التاريخ ومنطق العقل، ولا يخجل من شجاعة الاعتراف حين تتكسر الأوهام، ولا يكابر عندما تصفعه حقائق الواقع القاسية. إنها ليست مرثية شخصية، بل شهادة جيلٍ كامل؛ جيلٍ حلم بالفردوس والمدينة الفاضلة، فاستيقظ مذعوراً في العراء، بلا سقفٍ يحميه، ولا جدارٍ يستند إليه.

وللأمانة مع التاريخ، لستُ من جيل الزعيم جمال عبدالناصر؛ فقد رحل ذلك القائد الاستثنائي قبل مولدي بسبع سنوات، لكنني نشأتُ على صدى مشروعه، وتفتح وعيي السياسي وأنا أنتمي إلى الجيل الذي تولّى فيه الرئيس الراحل علي عبدالله صالح دفة الحكم، وكان عمري لا يتجاوز عاماً واحداً.

كبرتُ مع الدولة، ونضجتُ في كنفها، وتعلمتُ في مدارسها وجامعاتها مجاناً دون أن أدفع فلساً واحداً، وتدرجتُ في وظائفها القضائية حتى صرتُ رئيساً لمحكمة، أتقاضى راتباً كريماً كان يعادل 1100 دولار، يكفيني وأسرتي حياة الكفاف والعزة. كانت الدولة، بكل ما فيها من عيوب، تؤمّن خدماتٍ عامة من تعليمٍ وتطبيبٍ وكهرباء ووقود وغاز ، بأسعارٍ رمزية شبه مجانية، تسند المواطن وتحفظ كرامته.

سافرت بعهده من صنعاء إلى حضرموت ،وشحن والمهرة وصرفيت، بخطيها الصحراوي والساحلي ،لا أخاف إلا الله والذئب على غنمي..
أمان لم يطلب مني أحدا إبراز بطاقة هويتي وأنا أتنقل بوطني، كنت أسافر أنا وأطفالي أمان الله والدولة لقضاء إجازة عيد الأضحى بعدن ،من راتبي الذي أتقاضاه من الدولة ..
و أملئ خزان الوقود بخمسة ألف ريال !

وحين هبّت رياح الربيع المشؤوم عام 2011، لم أكن يوماً معارضاً عدمياً، ولم أكتب حرفاً واحداً ضد الرئيس صالح وهو في أوج سلطته وقوته.

لكنني خرجتُ،كغيري من النخب والعامة، إلى ساحة الجامعة، مدفوعاً بنبل الغاية، ومخدوعاً بسحر الشعارات البراقة،والسرديات الزائفة التي دغدغت عواطفنا. مُنّينا بفراديس “الدولة المدنية الحديثة”، وأُسكرنا بأحلام “المواطنة المتساوية”، و“حقوق الإنسان”، و“التداول السلمي للسلطة”. أوهمونا أن العقبة الوحيدة أمام نعيم الديمقراطية والرفاهية هي “النظام”، وأن رحيله سيعني تلقائياً قيام دولة المؤسسات والقانون والعدالة. فاندفعنا خلف السراب، وتركنا الواقع بلا حراسة.

واليوم، وأنا أقف وسط هذا الخراب الشامل، يتردد في أذني، بوضوحٍ مرعب، صدى تحذيرات الرئيس الراحل  صالح؛ تلك النبوءة السياسية التي حسبناها آنذاك مجرد “فزاعة” وتخويف من نظامٍ متشبث بالسلطة، فإذا بها قراءة استراتيجية دقيقة لمستقبلٍ مظلم. قالها صريحة: “إذا رحل النظام، سترحل معه الثورة والجمهورية والوحدة، وسوف تتمزقون إلى أربع دويلات متناحرة”. وأكد، بلا مواربة، أن قيادات الأحزاب التي تتصدر المشهد “لن تستطيع حكم اليمن الموحد يوماً واحداً”، وأنهم مجرد راكبي موجة سيغرقون السفينة بمن فيها.

وكم كانت تلك النبوءة صادقةً وموجعة. فما إن سقط النظام حتى بدأ مخطط تفكيك الدولة، لا بالسلاح وحده، بل بالسياسة أولاً. وتحديداً في ردهات فندق الموفنبيك، حيث نُصب فخ “الحوار الوطني”، الذي شُرعن به تمزيق اليمن تحت مسميات “الأقلمة” و“الدولة الاتحادية”. هناك استُبدلت الهوية الوطنية الجامعة بهوياتٍ صغيرة قاتلة، وتم تفكيك وحل الجيش اليمني الجمهوري الوطني تحت لافتة الهيكلة !

ورُسّخت سرديات زائفة عن “المظلوميات” المناطقية والطائفية. وهناك أيضاً صيغ ذلك الاعتذار الرسمي الكارثي باسم الدولة اليمنية ورئيسها الانتقالي عبدربه منصور هادي، عن حروب الدولة ضد تمرد صعدة، وعن حرب صيف 94م، ليكون ذلك الاعتذار رصاصة الرحمة في صدر شرعية الدولة، وتجريماً لها، وشرعنةً صريحة للمليشيات وقوى ما قبل الدولة.

كانت حصيلة تلك الهندسة السياسية الخبيثة أن قُسمت تركة الرجل المريض: سُلّم الشمال لأصحاب “الولاية ” وسلطة الأمر الواقع تحت لافتة “مظلومية صعدة”، ففرضت علينا الجماعة  قبضتها الحديدية..

وسُلّم الجنوب للانفصاليين تحت لافتة “مظلومية 94”، ليغرق في فوضى مزمنة وارتهانٍ للخارج، بينما تحولت تعز ومأرب إلى إقطاعيات حزبية تتاجر بالدين والدم. وهكذا تمزق اليمن الواحد إلى دويلاتٍ متصارعة، وتحولنا نحن الشعب من مواطنين مالكين للحقوق كفلها الدستور والقانون في دولة ذات سيادة، إلى رعايا غرباء في وطنا مهمشين، نقتات الخوف والجوع والعزلة.

نحن الشعب الوحيد بالعالم  الذي لا يوجد لديه دولة تحميه ،غنم بلا راعي !

لا مرتب ولا تعليم ولا صحة ولا خدمات ولا مشاريع ،ولا نملك ميناء ولا مطار ولا طائرة ولا نستطيع السفر لا بالداخل ولا للخارج ،بات التنقل بين محافظات الوطن تهمة وجريمة لاتغتفر..

كل جماعة تطلب منك بطاقة هويتك في وطنك وبوليسها يشتم رائحتك ويتهمك 
ويلفق لك التهم المزيفة ..
وتزج بك في سجونها لعدة اشهر كونك مشتبه به ..

والجماعات كلها متخادمة وأدوات تدار من الخارج الإقليمي  والدولي  وتنفذ أجندته وتطبق مشاريعه اللاوطنية..

وها أنا ذا، القاضي الذي كان يوماً رئيساً لمحكمة، أجد نفسي اليوم عاجزاً عن توفير أبسط حقوق الحياة. عاجزاً عن تعليم أولادي تعليماً عصرياً بعدما دُمرت وخصخصت المدارس والجامعات  الحكومية، ومُذهبت، وتحولت إلى سلعة.

عاجزاً عن علاج زوجتي التي تحتاج إلى عملية جراحية، لأن المستشفيات الحكومية خُصخصت فعلياً، وصارت أسعارها تضاهي المشافي الخاصة. الراتب مقطوع، والخدمات معدومة، ونحن نموت ببطء في بيوتنا، بصمتٍ وقهر.

ولم يكتفوا بتجويعنا، بل لاحقتنا الأحقاد وتصفية الحسابات حتى في نسيجنا الاجتماعي والأسري. تم اقتحام بيوتنا عدة مرات وغيلونا خلف الشمس بزنازن مخابراتهم سته اشهر  وها هو ابن أخي الشاب، عبدالسلام عارف ، ذو العشرين ربيعاً، مُغيّب قسرياً في سجون استخبارات الشرطة منذ أربعة أشهر، لا لجرمٍ ارتكبه، بل لتهمة عبثية واحدة: “ كل التحقيقات بسجن ريمة حميد وسجن استخبارات الشرطة  محورها سفره مع عمه  عبدالوهاب لقضاء إجازة عيد الأضحى في عدن”. نعم، صار السفر إلى عدن، ثغر اليمن الباسم وجزء من ترابه، تهمةً ترقى إلى الخيانة العظمى! في ظل تعبئةٍ عمياء وحقدٍ دفين، جعل من التنقل داخل الوطن جريمة، ومن استهداف الأقارب واحتجازهم كرهائن وسيلةً وضيعة للانتقام السياسي.

خمسة عشر عاماً من الضياع والتيه، والموت السريري للوطن، كافية لأن نعيد قراءة المشهد بتجرد، ونقولها للتاريخ وللأجيال القادمة بملء أفواهنا: ولا يومٌ من أيامك يا صالح. لا نقولها حباً في شخص، ولا عبادةً لفرد، بل لأننا ندرك اليوم أن فساد الدولة — الذي كنا نشكو منه — كان أرحم ألف مرة من توحش اللادولة، وأن بقاء نظامٍ حافظ على الجمهورية والوحدة والخدمات كان طوق النجاة الأخير الذي قطعناه بأيدينا.

لو كنا نقرأ المآلات، ونرى هذا الجحيم المستعر، لقلنا يومها: احكم يا صالح مدى الحياة .

فدولةٌ ظالمة خيرٌ من فوضى شاملة، وحاكمٌ مستبد خيرٌ من وطنٍ ممزقٍ ومستباح.

نحن اليوم، يا سادة، لا نعيش لأننا أحياء، بل لأننا عاجزون عن الموت. نحيا لسببٍ بيولوجيٍ بحت، وننتظر النهاية في وطنٍ كان سعيداً… فصار مقبرةً كبرى للأحلام.

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية