آراء

" حين يتكلم الجليد بلغة القوة ، " غرينلاند " مفترق الجليد والنفوذ العالمي "

دعاء هزاع الجابري

|
قبل 1 ساعة و 20 دقيقة
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

في أقصى الشمال ، حيث يتباطأ الزمن تحت طبقات الجليد ، وحيث تبدو الأرض وكأنها خارج حسابات البشر ، تقف " غرينلاند " في صمت ثقيل تحمل فوق بياضها البارد أسرار القوة وحدود الهيمنة ، جزيرة ظنها العالم هامشا جغرافيا فإذا بها تتحول إلى مركز ثقل استراتيجي تتقاطع فوقه أطماع الإمبراطوريات ، وتختبر عنده صدقية التحالفات ، ويعاد فيه تعريف الأمن والسيادة في عالم يتغير بسرعة الجليد حين يبدأ بالذوبان

فغرينلاند جزيرة لا تشبه غيرها ، ليست مجرد مساحة بيضاء على خرائط الجغرافيا بل قلب نابض في جسد الصراع العالمي ، هناك بين المحيط الأطلسي والقطب الشمالي تتقاطع أنفاس أمريكا وأوروبا وتتشابك ظلال روسيا وتزحف أحلام الصين على أطراف الجليد البارد
غرينلاند اليوم ليست وحدها بل تحاصرها العيون من كل صوب ، وتتنازعها الحسابات وتثقلها أطماع القوى الكبرى التي ترى فيها مفتاح المستقبل ، وبوابة السيطرة ، ومرآة التفوق العسكري القادم ، فكل طرف يمد يده نحوها باسم الأمن وباطن اليد يخفي ميزان القوة ، فالولايات المتحدة بثقلها التاريخي وإرثها العسكري تنظر إلى الجزيرة كدرع متقدم يحمي خاصرتها الشمالية ، وكسور إنذار مبكر يسبق الخطر بخطوة تخشى به تمدد روسيا وتراقب صعود الصين ، فتسعى إلى تثبيت وجودها العسكري فوق الجليد كأنها تريد أن تكتب سيادتها على بياض الأرض قبل أن يذوب ، لكن أوروبا التي اعتادت طويلا الوقوف في ظل المظلة الأمريكية ، تستيقظ اليوم على قلق جديد ، قلق السيادة وهاجس الاستقلال والخوف من أن تتحول غرينلاند إلى ساحة قرار لا تستشار فيه ، فتنتفض العواصم الأوروبية دفاعا عن التاج الدنماركي وعن فكرة أن الأمن لا يفرض بالقوة بل يصان بالتوازن ، لتقول أوروبا : هنا ، عند هذا الجليد  يقف حد القرار المشترك 
ومن الجانب الاخر من الشرق البارد ، تمد روسيا ظلها الثقيل ، تبني قواعدها وتوسع حضورها ، وتعتبر القطب مجالها الحيوي الذي لا يقبل الاختراق ، وترى في التحرك الأمريكي زحفا على توازن هش ، فتشد قبضتها على الجغرافيا وتلوح بالردع الصامت ، أما الصين فتسير بخطوات هادئة لا تحدث ضجيجا ، لكنها تترك أثرا ، وتسمي نفسها دولة قريبة من القطب وتغرس استثماراتها في المعادن والبنية التحتية كأنها تزرع المستقبل تحت الثلج وبانتظار ذوبانه

ووسط هذا المد والجزر ، ترفع غرينلاند صوتها رغم صغره أمام هدير القوى وتقول " لسنا بغنيمة " وترفض الوجود المفروض وتتشبث بسيادتها ، وتؤكد أن أمنها يصان ضمن حلف الأطلسي لا عبر فرض الهيمنة ، نعم هو صوت جزيرة لكنه يحمل معنى الأرض حين ترفض أن تكون ساحة ، فتتحرك أوروبا من جهة وتقترح قوات مشتركة ، وتلوح براية " الناتو " لا كأداة توسع بل كدرع توازن لتقود بريطانيا هي الاخرى النقاش وتعلن السويد  استعدادها وتراقب دول أخرى بحذر

ان الرسالة واضحة " السيادة هنا خط أحمر ، والجليد ليس فراغا سياسيا " 
وكل هذا الصراع ليس عبثا ، فغرينلاند هي عين العالم في الشمال ، وأذنه التي تسمع الصواريخ قبل أن تولد ، ومفتاح السماء حين تراقب الفضاءات ، ففي قلبها تقف قاعدة " ثولي " رادار العالم الصامت ، وأنظمة تتبع الصواريخ والنجوم ، كل ذلك يجعل الجزيرة نقطة تحكم بين ثلاث قوى عظمى ، ومفصلا حساسا في جسد الردع العالمي ، فمن يسيطر على غرينلاند ، لا يملك أرضا فقط بل يملك الزمن قبل الضربة ، والرؤية قبل الهجوم ، والقدرة على قلب موازين الحرب قبل أن تبدأ ، لذلك فإن محاولة السيطرة عليها بالقوة ليست فقط خرقا للقانون الدولي بل شرخا في جدار النظام العالمي ، وبوابة لفوضى لا يمكن احتواؤها ، لقد تحولت غرينلاند إلى ورقة ضغط في عالم لم يعد أحادي الصوت ، عالم تتزاحم فيه الأقطاب وتتشقق فيه التحالفات ويعاد فيه تعريف الصديق والخصم ، وأي تمدد أمريكي منفرد فوق هذا الجليد قد لا يضيف قوة بل يوقظ شقوقا داخل الناتو ، ويزرع شكا بين الحلفاء ، ويمنح روسيا والصين فرصة اللعب على حبال الانقسام الغربي

ان نحن اليوم عند لحظة حرجة ، حيث السياسة تمشي على جليد رقيق
فتناقش أوروبا نشر قوات هناك لا حبا في العسكرة بل خوفا من الانفراد ان التصريحات الأمريكية اليوم تقرأ بقلق ، والمفاوضات تدور في الكواليس بين لندن وبرلين وبروكسل ، وسط إدراك متزايد أن القطب الشمالي لم يعد هامشا بل مركز ثقل جديد 
ويبقى السؤال معلقا في هواء الشمال البارد : هل يتشقق حلف الأطلسي من داخله؟ وهل تتحول غرينلاند من جزيرة صامتة إلى شرارة زلزال جيوسياسي يعيد رسم النظام الأمني الغربي؟

ففي غرينلاند ، لن يذوب الجليد وحده 
بل قد تذوب معه خرائط قديمة ، وتكتب حدود جديدة للعالم 
فبصمتها الجليدي ، قد تكون الشرارة أو آخر خطوط التوازن .

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية