لم تكتف الميليشيا الحوثية الموالية لإيران بارتكاب أبشع أنواع انتهاكات حقوق الإنسان في محافظة الحديدة الساحلية الاستراتيجية (غرب اليمن)، بل حوّلت تلك المحافظة الهادئة والمسالمة إلى أكبر حقوق الألغام وخاصةً منذ إشعال الحرب أواخر مارس عام 2015، إذ زرعت عشوائياً آلاف الألغام البرية في مناطق التماس والطرق والشوارع والأراضي الزراعية والممتلكات العامة والخاصة بخلاف الألغام البحرية في مناطق الساحل الغربي.
وبحسب مشروع "مراقبة أثر الصراع على المدنيين" شهد الساحل الغربي لليمن أكثر من نصف ضحايا المتفجّرات من مخلّفات الحرب من المدنيين في جميع أنحاء البلاد للربع الثاني على التوالي، إذ كانت المتفجّرات من مخلّفات الحرب مسؤولة عن 121 ضحية من المدنيين في الربع الأوّل من عام 2023، انخفاضاً من 140 ضحية من المدنيين في الربع الرابع من عام 2022.
وبدأت أعداد ضحايا المتفجّرات من مخلّفات الحرب في الزيادة في أواخر عام 2021 بعد أن تحوّلت الخطوط الأمامية للمواجهات في الحديدة جنوباً، ما سهّل حرية أكبر في حركة المدنيين في المناطق التي هدأت فيها الأعمال القتالية، ولكن لم يتم تطهيرها بالكامل من بقايا الذخائر. ومنذ ذلك الحين شهدت الحديدة باستمرار العدد الأعلى من ضحايا المتفجّرات من مخلّفات الحرب في البلاد.
ولم يكن الربع الأوّل من عام 2023 استثناءً، فقد تم الإبلاغ عن أن نصف ضحايا المتفجّرات من مخلّفات الحرب خلال الربع الأوّل كانوا في الحديدة.
وبعد الحديدة تأتي الجوف، حيث تم الإبلاغ فيها عن 19 ضحية من المدنيين نتيجة المتفجّرات من مخلّفات الحرب، ثم مأرب بثمانية ضحايا، وكلا المحافظتين شهدتا عدة تحذيرات من مياه السيول الناجمة عن هطول الأمطار الغزيرة التي تسبّبت في جرف عبوّات متفجّرة في الأشهر الأخيرة.
وخلال الربع الأوّل من العام الحالي قامت فرق إزالة الألغام في "المركز اليمني التنفيذي لمكافحة الألغام" بتطهير الأراضي من الألغام في 157 مديرية مختلفة في 18 محافظة، وأزالت ما مجموعه 88006 قطعة من مختلف المواد (الألغام، والعبوّات الناسفة، والذخائر غير المنفجرة، وما إلى ذلك)، ما أنقذ حياة الكثير من اليمنيين على الأقل من خطر هذه الأجسام.
وللألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة آثار اقتصادية واجتماعية كبيرة على اليمنيين في المناطق الحضرية والريفية، وتشكّل قيوداً كبيرة على التنمية.
وخلال النزاع الذي طال أمده، تلوّثت مساحات واسعة في البلاد بملايين الألغام الأرضية والمتفجّرات من مخلّفات الحرب، ما جعل العديد من الأحياء السكنية غير صالحة للسكن أو خطرة.
وأعلنت الأمم المتحدة في تقرير أصدرته أخيراً أن نقص التمويل أدّى إلى الحد من قدرة البرنامج الإنمائي على تقديم الدعم الذي تمسّ الحاجة إليه في المستقبل.
ومنذ عام 2017 يعمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن وشركاؤه (المركز اليمني التنفيذي لمكافحة الألغام، والمركز اليمني لتنسيق الأعمال المتعلّقة بالألغام) على تطوير القدرة الوطنية للاستجابة للتهديدات التي تشكّلها مخاطر المواد المتفجّرة، والمساعدة في استعادة الخدمات الأساسية، وتسهيل الوصول إلى البنية التحتية، والحد من الإصابات والوفيات، وتوفير الوصول للمساعدات الإنسانية، ودعم المؤسّسات الحكومية والوطنية لمكافحة الألغام من خلال "المشروع الطارئ للأعمال المتعلّقة بالألغام".
ويعدّ التلوّث بالمتفجّرات من مخلّفات الحرب نتيجة لجميع أنواع الذخائر غير المنفجرة، بما في ذلك الذخائر العنقودية والأجهزة المتفجّرة المرتجلة والألغام الأرضية والألغام البحرية والذخائر المتفجّرة المتروكة والذخائر سيئة التخزين.
ونزع مشروع مسام لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام منذ انطلاقته في يونيو 2018 وحتى الآن 400.070 لغماً وذخيرة غير منفجرة وعبوّة ناسفة، وتطهير أكثر من 46 مليون متر مربّع من الأراضي اليمنية.
وسلّط الحادث الذي تعرّضت له "بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة" (أونمها) الضوء على الخطر الذي تشكّله الألغام التي زرعتها الميليشيات الحوثية في مختلف محافظات ومناطق اليمن، وضرورة تحمّل المجتمع الدولي مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها تلك الميليشيات وخاصةً الجريمة التي تمارسها بحق الشعب اليمني والأجيال القادمة في ظل استمرارها في زراعة الألغام البرية والبحرية وعدم وجود خرائط لمناطق زراعتها.
وأعلنت البعثة الأممية في 6 ديسمبر الماضي أن قافلة مؤلّفة من مجموعة سيّارات تابعة لها خلال زيارة أجرتها البعثة إلى مديرية الحالي في مدينة الحديدة تعرّضت إلى انفجار حسبما تم تقييمه على أنه لغم أرضي، ما أدّى إلى إتلاف إحدى المركبات.
وأفادت البعثة في بيان بأنه "لم تقع إصابات في القافلة.. تأتي هذه الحادثة تذكيراً بالمخاطر التي يواجهها أهالي الحديدة يومياً بسبب المتفجّرات من مخلّفات الحرب".
ودعت بعثة "أونمها" الأطراف إلى اتّخاذ تدابير عاجلة وملموسة لتطهير المناطق الملوّثة وتقليل الأثر المدمّر للألغام الأرضية والمتفجّرات من مخلّفات الحرب على السكان المدنيين، ولا سيّما النساء والأطفال، الذين ما زالوا متأثّرين بشكل غير متناسب.
وبينما تقدّم المنظّمات غير الحكومية دعماً متخصّصاً في الميدان للتعامل مع الألغام في مناطق الحكومة الشرعية (المعترف بها دولياً)، فإنها تبذل جهوداً حثيثة من أجل بدء عملياتها في مناطق سيطرة الحوثيين خلال شهر يونيو الحالي.